ابو القاسم عبد الكريم القشيري

98

لطائف الإشارات

نزق الشباب وسكره ، ولم يعطّله عجز المشيب وضعفه ، بل هو صاح استفاق عن سكره ، وبقيت له - بعد « 1 » - نضارة من عمره . قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 69 إلى 70 ] قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 ) كما كان يأخذ لونها الأبصار فالإشارة منها أن من كان من أهل القصة « 2 » يستغرق شاهده القلوب لما ألبس من رداء الجبروت ، وأقيم به من شاهد الغيب « 3 » حتى أن من لاحظه تناسى أحوال البشرية ، واستولى عليه ذكر الحق ، كذا في الخبر المنقول : أولياء اللّه الذين إذا رأوا ذكر اللّه ( . . . . ) « 4 » قوله جل ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 71 ] قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) « 5 » كما أن تلك البقرة لم يذللها العمل ، ولم تبتذل في المكاسب ، لا لون فيها يخالف عظم لونها فالإشارة منه أن أهل الولاية « 6 » الذين لم يتبذلوا بالأغيار لتحصيل ما طلبوا من الأسباب ، ولم يركنوا بقلوبهم إلى الأشكال والأمثال ، ولم يتكلوا على الاختيار والاحتيال ، وليسوا نهبا لمطالبات المنى ، ولا صيدا في مخلب الدنيا ، ولا حكم للشهوات عليهم ، ولا سلطان للبشرية تملّكهم ، ولم يسعوا قط في تحصيل مرادهم ، ولم يشقوا لدرك بغيتهم ، وليس عليهم رقم الأغيار ، ولا سمة الأسباب - فهم قائمون باللّه ، فانون عما سوى اللّه ، بل هم محو ، مصرّفهم اللّه . والغالب - على قلوبهم - اللّه . وكما أن معبودهم اللّه كذلك مقصودهم اللّه .

--> ( 1 ) ربما صحت على هذا ويكون المعنى ما زالت فيه بقية من نضارة عمره ، ويحتمل أن تكون في الأصل ( بعض ) ويكون المعنى وبقيت له بعض نضارة من عمره . ( 2 ) يقصد أهل التصوف . ( 3 ) وردت ( الغير ) ولا معنى لها هنا لأن شهود الغيب هو الذي يحدث ذلك الأثر . ( 4 ) في ( ص ) علامات تدل على أن الكلام مبتور ، ونرجح أن ( ذاكر ) بدل ( ذكر ) . ( 5 ) أخطأ الناسخ عند كتابة هذه اللفظة من الآية الكريمة حيث وردت ( قال ) الآية 70 من سورة البقرة . ( 6 ) في ص ( ولاية ) بدون تعريف والأصح بها .